z بيان أون لاين | الوقف على رءوس الآي
الوقف على رءوس الآي
الكاتب admin في 9 أبريل 2014 ، لا يوجد تعليقات
التصنيفات: اللؤلؤ المرجان في لغة القرآن

: ما حكم الوقف على رءوس الآي؟
أولًا: مذاهب القراء:
المذهب الأول: هو مذهب ابن كثير وأبي عمرو بن العلاء، ومؤداه تعمد الوقوف على رءوس الآي مطلقًا، سواء أكانت متصلة بما بعدها أم منفصلة … .
المذهب الثاني: هو مذهب حمزة، ومؤداه الوقوف عند انقطاع النفس، والقرآن كله كالسورة الواحدة.
المذهب الثالث: هو مذهب نافع وعاصم، والكسائي وخلف، ويعقوب وأبي جعفر وابن عامر، ومؤداه مراعاة المعنى، وتمام الكلام في الوقف والابتداء، دون النظر إلى رءوس الآي(1).
* هذه نظرة القراء إلى الوقف على رءوس الآي، وأمام هذه النظرة تفرق العلماء إلى أربعة اتجاهات، على النحو التالي:
الاتجاه الأول: ينتصر لطريقة أبي عمرو وابن كثير مهما اشتد تعلق الفاصلة بما بعدها، مثل قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [البقرة: 219-220]
ومثل قوله سبحانه: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى} [العلق: 9 -10] بل ولو أدى الوقف إلى معنى فاسد كقوله:{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4-5] أو إلى معنى باطل، كقوله: {أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الصافات: 151-152]
* وهذا الاتجاه هو الذي اختاره الإمام البيهقي في شعب الإيمان، واستدل أصحابه بما رواه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في أبواب القرآن، وأبو داود في الصلاة، وغيرهم عن أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) قالت: «كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا قرأ يُقطع قراءته آية آية، يقول: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ثم يقف {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ثم يقف
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ثم يقف…» وهكذا.
* هذا هو الاتجاه الأول، ويليه – بعون الله – الاتجاه الثاني فالثالث فالرابع تباعًا، والله نسأل أن ينفعنا بالقرآن، آمين.
________________________________________
(1) النشر: ج1 ص338.

————

الاتجاه الثاني:
يفضِّل أصحاب هذا الاتجاه الوقف على رءوس الآي إن لم يكن هناك ارتباط لفظي يتوقف عليه فهم المعنى، وإلا فإنهم يصِلُونَ لمراعاة المعنى.
– فمثلًا عند قراءة قوله تعالى: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) ) [الإخلاص: ١ – ٤ ] فإنهم يفضلون الوقف على رءوس الآي، لعدم وجود ارتباط لفظي يتوقف عليه فهم المعنى.
– فإذا كان هناك ارتباط لفظي يتوقف عليه فهم المعنى، فإنهم يَصِلُون لمراعاة المعنى، وذلك كما في قوله تعالى: (…كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ… ) [البقرة 219-220]
– فكلتا الآيتين مرتبطة بأختها، ولذلك فهم يصلون ولا يتوقفون [أعني أصحاب هذا الاتجاه الثاني].
– ومثل ذلك يقال في آيات (الصافات 151، 152)، و(العلق 9، 10)، و(الماعون 4، 5).
* وأصحاب هذا الاتجاه يجمعون بين الحسنيين: العمل بحديث أم سلمة رضي الله عنها، ومراعاة المعنى كلما تطلب الأمر ذلك؛ لأنه هو الهدف الأساسي للتلاوة والتدبر وعدم الإيهام.
* ويؤيد هذا الاتجاه أن الحديث المعوَّل عليه هنا قد مثَّل بآيات من سورة الفاتحة، وليس فيها إيهام، غاية ما هنالك أن أوقافها حسنة، تتضح معها المعاني، وهي لا تتطلب الوصل.
* ومما تجدر الإشارة إليه أن الوقف في القرآن الكريم يجلِّي عظمة المعاني الموقوف عليها، ويشد انتباه السامع إليها، كما تقول: “استوقفني الأمر” إذا شدك إليه.. وقد ثبت أن رسول الله () قد وقف عند كلمة “الليل” في قوله تعالى: ( وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ… ) [الصافات 137- 138] أي أنه () لم يقف عند رأس الآية، وإنما وصلها بتاليتها لمراعاة المعنى وتمامه.
* وكذلك وقف النبي () عند كلمة (فحشر…)، في قوله تعالى: (ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ … ) [النازعات 22- 23](1).
_______________________________________________
(1) راجع كتاب “وقوف النبي ()” لمحمد بن عيسى البريلي الأندلسي المغربي، وقد أشار إلى بعضها الأشموني في “منار الهدى” ص5.

————–

وأما الاتجاه الثالث: فقد نحا في تفسير حديث أم سلمة (رضي الله عنها) منحًى جديرًا بالبحث؛ إذ يفسر الوقف الذي عنته أم المؤمنين بالسكت دون تنفس، وهذا الاتجاه يرى أن السكت على رءوس الآي مشروع وليس خاصًّا بالمواضع المشهورة”(1).
ولعله يعني بلفظ مشروع أن الوقف على رءوس الآي مشروع ما لم يوهم، أو يدل على معنى فاسد أو باطل، كما سبقت الإشارة، لكن جدارة البحث ما زالت قائمة.
*وأما الاتجاه الرابع فإنه ينتصر لرأي الأغلبية في أن حكم الوقف على رءوس الآي هو حكمه على غيرها؛ فإذا كان هناك تعلق لفظي أو إيهام بين رأس الآية وما بعدها فلا يجوز الوقف.
وقد أجاب أصحاب هذا الاتجاه الرابع عن حديث أم سلمة (رضي الله عنها) بأنه محمول على بيان الجواز، وتعليم الصحابة الفواصل، فليس فيه دليل على سُنِّيَّة الوقف على رءوس الآي…؛ إذ لا يسن إلا ما فعله النبي (صلى الله عليه وسلم) تعبدًا؛ فهو وقفُ بيانٍ لا وقفُ سُنَّةٍ، فما وقف عليه النبي دائمًا تحققنا أنه فاصلة (رأس آية) وما وصله النبي (صلى الله عليه وسلم) دائمًا تحققنا أنه ليس رأس آية، وما وقف عليه مرة، ووصله مرة أخرى احتمل الوقف والوصل جميعًا.
انتهى بتصرف يسير(2).

والله نسأل أن ينفعنا بالقرآن، آمين.

_______________________________________________

(1) النشر ج1 ص 343.
(2) النحو والصرف في خدمة النص القرآني ص 457.

 

إعداد / نبيل صالح


أضف تعليقاً