z بيان أون لاين | أنرجع للحق أم نتمادى في الباطل؟!
أنرجع للحق أم نتمادى في الباطل؟!
الكاتب admin في 10 أبريل 2014 ، لا يوجد تعليقات
التصنيفات: مناهج اللغة العربية – معلومات عامة

الْخَطَأُ فِي حَيَاةِ النَّاسِ أَمْرٌ وَارِدٌ، وَطَبِيعَةٌ غَيْرُ مُسْتَنْكَرَةٍ، فَلَيْسُوا مَلَائِكَةً مُقَرَّبِينَ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، وَلَا أَنْبِيَاءَ مُنَزَّهِينَ وَلَا مُرْسَلِينَ مَعْصُومِينَ، لَكِنَّ الْخَطَأَ الْحَقِيقِيَّ إِنَّمَا هُوَ التَّمَادِي فِي الْخَطَأ، وَالْإِصْرَارُ عَلَـى الزَّلَـلِ، وَعَــدَمُ الِاعْتِـرَافِ بِالتَّقْصِـيرِ، وَالْجِـدَالُ عَــنِ النَّفْسِ بِالْبَاطِـلِ، وَتَمَحُّلُ الْمَعَاذِيرِ وَلَوْ بِالزُّورِ، وَاعْتِقَادُ أَنَّ الرُّجُوعَ إِلَـى الصَّوَابِ نَقِيصَـةٌ لِلـذَّاتِ، أَوْ حَـطٌّ مِـنَ الْقَـدْرِ، تِلْكُـمْ هِـيَ قَاصِـمَةُ الظُّهُـورِ، وَبَلِيَّةُ الْبَلَايَـا، وَالَّتِـي رُفِعَــتْ بِسَبَبِهَا خَيْرَاتٌ، وَنُزِعَتْ بَرَكَاتٌ.
وَقَدْ بَيَّنَ رَسُولُنَا الْكَرِيمُ (صلى الله عليه وسلم) خَطَرَ هَذَا الْأَمْرِ وَسَيِّئَ أَثَرِهِ عَلَى صَاحِبِهِ؛ حَيْثُ قَالَ : “أَبَى اللهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتَهُ ” [رواه ابن ماجه في سننه]؛ لِأَنَّهُ مَفْتُونٌ بِهَا، وَمُصِرٌّ عَلَيْهَا، لَا يُقِرُّ بِخَطَئِهِ، وَلَا يَعْتَرِفُ بِزَلَلِـهِ، بَلْ يَرَى نَفْسَهُ عَلَى صَوَابٍ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
فَلِمَاذَا لَا نَعْتَرِفُ بِأَخْطَائِنَا، وَلَا نُفَكِّرُ فِي التَّرَاجُعِ عَنْهَا مُبَاشَرَةً، لِنَغْسِلَ دَرَنَهَا وَنَمْحُوَ أَثَرَهَا؟ وَلِمَاذَا تَذْهَبُ عُقُولُنَا بَعْدَ الْخَطَأ إِلَى تَلَمُّسِ الْمَعَاذِيرِ وَتَمَحُّلِهَا؟ أَكُلُّ هَذَا غُرُورٌ وَعُلُوٌّ وَإِصْرَارٌ؟ أَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّ الْأَبَوَيْنِ آدَمَ وحَوَّاءَ (عليهما السلام) أَخْطَآ فَأَقَــرَّا بِالزِّلَّــةِ وَاعْتَرَفَا بِالتَّقْصِيرِ؛ فَغَفَــرَ اللهُ لَهُمَا وَتَــابَ عَلَيْهِــمَا، وَأَنَّ إِبْلِيــسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ فَأَحَلَّ اللهُ عَلَيْهِ لَعْنَتَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَجَعَلَهُ إِمَامًا لِأَهْلِ النَّارِ؟
إِنَّ مِنْ أَخْطَرِ الْأَمْرَاضِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهَا الْمُجْتَمَعُ أَنْ يُخْطِئَ الْمَرْءُ، ثُمَّ لَا يُفَكِّرُ فِي الرُّجُوعِ وَالْأَوْبَةِ، بَلْ يُسَارِعُ إِلَى تَسْوِيغِ خَطَئِهِ بِكُلِّ مَا أُوتِيَ، وَلَا يَهْتَمُّ بِأَنَّهُ قَدِ انْحَرَفَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، وَأَنَّ وَاجِبَهُ الَّذِي لَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ الرُّجُوعُ إِلَى جَادَّةِ الصَّوابِ، وَالْعَوْدَةُ لِلْحَقِّ الَّذِي هُوَ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ.
وَالْإِنْسَانُ يَقَعُ فِي الْخَطَأ إِمَّا عَنْ غَفْلَةٍ وَنِسْيَانٍ أَوْ عَنْ تَعَمُّدٍ وَإِصْرَارٍ أَوْ عَنْ عَصَبِيَّةٍ وَغَضَبٍ، وَقَدْ تَبْلُغُ قُوَّةُ الْغَضَبِ بِبَعْضِ النَّاسِ إِلَى أَنْ يَتَصَرَّفَ تَصَرُّفَاتٍ يَنْدَمُ عَلَيْهَا بَعْدَ هُدُوئِهِ، لَكِنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُعَالِجَ نَتَائِجَهَا بِتِلْكَ السُّهُولَةِ، لِأَنَّهَا تَكُونُ قَدْ طَعَنَتْ قُلُوبًا كَثِيرَةً فَغَضِبَتْ هِيَ الْأُخْرَى، فَيُكَابِرُ كُلٌّ مِنْ جَانِبِهِ، وَتَتَعَقَّدُ الْأُمُورُ، ثُمَّ لَعَلَّهَا لَا تَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى مَجَارِيهَا.
وَقَدْ يَسْأَلُ سَائِلٌ مَا سَبَبُ ذَلِكَ؟ فَنَقُولُ لَهُ : لَعَلَّهُ ضَعْفُ الْإِيمَانِ، وَالزُّهْدُ فِي الْأَجْرِ، وَقِلَّةُ التَّفْكِيرِ فِي الْعَوَاقِبِ، أَمَّا الْمُؤْمِنُ الَّذِي عَرَفَ نَفْسَهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهَا، فَإِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَتُوبَ وَيَنْزِعَ عَنْ خَطَئِهِ، وَيَعْتَذِرَ عَمَّا بَدَرَ مِنْهُ؛ فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ وَيَعْذِرَهُ الْآخَرُونَ، وَإِمَّا أَنْ يَتَمَادَى فِي غَيِّهِ، وَيُصِرَّ عَلَى إِسَاءَتِهِ، فَتَتَكَاثَرَ بِذَلِكَ سَيِّئَاتُهُ، وَمِنْ ثَمَّ تَتَّسِعُ الْفَجْوَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِينَ، فَكَمْ مِنْ مُشْكِلَاتٍ تَحْدُثُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَتَتَضَاعَفُ نَتَائِجُهَا وَتَسُوءُ الْأَحْوَالُ فِيهَا وَتَتَعَقَّدُ الْأُمُورُ، وَقَدْ كَانَ أَيْسَرَ عِلَاجٍ لَهَا وَأَقْرَبَ طَرِيقٍ لِحَلِّهَا هُوَ الِاعْتِرَافُ بِالْخَطَأ وَالْمُبَادَرَةُ بِالِاعْتِذَارِ، وَالشَّهَادَةُ بِالْحَقِّ وَلَوْ عَلَى النَّفْسِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) [النِّساءُ : 135]، فَعَلَى النَّاسِ تَقْوَى اللهِ وَالتَّوَاضُعُ وَالْحَذَرُ مِنَ الْغَضَبِ وَالْكِبْرِ وَلَيِّ الْحَقِّ، لِأَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الصَّوَابِ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْخَطَأ وَالْبَاطِلِ.


أضف تعليقاً